لا تبك ِ

دموع الرحيل

 
ملك الثوار
ترانيم الخلود
 

هدوء الخريف

صراع الأحلام

 

طفل بلدي

عاشق المستحيل

 

حياة كالسَّراب

حقيقة شاعر

 

أحزان الربيع

الحرة المخذولة

  من أنت أعذريني
   

الأخوة والغربة

 

 

 

دموع الرحيل  

ها قد رحلت ..
وفي فؤادي مِن عيونك ألف ذِكرى
يجتاحني منها هواكِ
فأنحني حزناً وقهرا
ها قد رحلت فكيف لي ألاَّ أفجِّرَ ما كتمتُ
لأملأ الآفاق شعرا
من ذا يلوم العاشق المجنونَ إن غنَّ العذابَ
فلم يدع للنَّاس سِتْرا
هم أيقظوهُ وكان مشغولاً بحُبِّك
هائماً قلباً وفِكرا
هم أخرجوه مِن النَّعيم إلى السَّعير
وأشربوه الكأس مرَّا
قالوا له :
دع قيدها
دع سجن عينيها وغادر
ما دروا من أنَّه قد كان في عينيك حرَّا
قالوا له :
هذي قصور الطَّامحين فخلِّها
لا يشغلنَّك حبُّها
ياليتهم تركوا القصور لسكرهم
وبنوا على شفتيك قبرا
ها قد رحلت وكلُّ طيرٍ راحلٌ
لكنَّهم نتفوا جناحك
مثلما نتفوا جناحي
كي يكون الهجر قسرا
نيرانهم لم تُبقِ عشّاً بيننا
صُغناهْ مِن أحلامنا
دمعاً وإحساساً وصبرا
قد خلَّفوه إلى الرِّياح
وخلَّفوا في القلب جمرا
هو ثورة العشَّاقِ إن سِيموا من الأيَّام قهرا
هو لوعة المشتاقِ إن ذكرَ الأحبَّةَ
لم يجد للوصل مجرى
هو أنَّهُ المحروم في الليلِ العبوسِ
إذا تلوَّى مِن هواه
ولم يجد للرَّأس صدرا
سأقول أنَّ الكائنات جميعها
سرقت بريق عيوننا
وقضت على حبِّ عفيفٍ
كان في زمن الرذيلة ناصعاً حسناً وطهرا
يا مَن رحلت إلى متى
تمضين في هذا الرَّحيل
أترى فؤادك سوف يحتمل البكاء أو العويل
هذي الطَّريق طويلةٌ
والليل فيها عابسٌ
يَفْنى به القلب العليل
يا من رحلت خذي عيوني في عيونك
فالهوى فيها دليل
وتزوَّدي من دمعها
ما شئتِ للحزن الطويل
فأنا سأبكي من دمائي
مثلما يبكي القتيل
ولسوف أنسج حبَّنا
أسطورةً في كلِّ جيل
كي يعلم العشَّاق أنَّا
ما تركنا الوصل حتَّى أشفق الحبُّ علينا
فبكينا عند باب المستحيل
لست أدري أيَّ شيءٍ
بعد أنَّاة الوداعِ
غداة نحتبس الدُّموع
بهذه الدُّنيا جميل

 

 

لا تبكِ

 

لا تبكِ أرض الأنبياء

لا تبكِ عيناك الجميلة

لا يليق بها البكاء

لا تبكِ دمعك أحمرٌ

و حزينة فيه الدماء

يختال فيه الحاقدون ..

الظالمونَ ..

على بقايا الأبرياء

و تموت فيه الأمنيات

و ينحني من غيظه قهراً

جبين الكبرياء

من كل طفل بات يصرخُ

لم يجد إلاّ الرصاص له رداء

من كل شيخ لم يذق

إلاّ المرارة و الشقاء

من كل أمٍّ ودّعت أبناءها فجراً ولكن

لم يعودوا في المساء

سألت عليهم كل أطفالِ الحجارةِ

أخبروها أنهم

قد غادروها للسماء

* * * * * *

لا تبكِ يا مسرى الرسولِ

و يا أغاريد الطيورْ

ما هذه الأحزان في عينيك تهطلُ

حين تنظر للقبور

ما سرُّها هذي القبور؟

أوَ ليس في أحشائها

رمز البطولة والشعور

أوَ ليس هم أبناؤكِ الشرفاءُ

في كل العصور

و هم الذين بحبِّهم قد سطروا أمجادنا

بالسيف و الحجر الغيور

و همُ الحماة الذائدون عن الكرامة بالصدور

البائعون دماءهم لله و البيت الطهور

هم بين أسراب الحمام

بساحة الأقصى حُضور

ومن المآذن كل يومٍ

يُرسلون شعاع نورْ

لا تبكهم و ابكِ الّذين استبدلوا جنات عدْنٍ

بالكهوف وبالجحور

* * * * * *

لا تبكِ يا مهوى القلوب

غدا سينزاح الظلامْ

و تضيءُ بالشمس الجديدةِ

كل أحلام العيونِ

و كل أشواق الكلامْ

و يعود للأرض النخيلُ

و يرحل الشجر الحرام

الله أكبر قد أتينا

كي نُعِيْدَ لك السلام

كالموج جئنا غاضبين بكلِّ آلام السنينِ

و كل أحزان الحسام

و بكل صرخة طفلةٍ غابت

أتينا

تحتَ أنقاضِ الركام

و بكل أنةِ زوجةٍ ثكلى

أتينا

لم تذقْ طعم المنام

و بكل طفلٍ خلف والده رموه بنارهمْ

دون احترام

هذي عدالتنا و هذي أرضنا

من شاء شاء و من أبى

فالنّهر موعدنا الختام

 

 

 

ترانيم الخلود

 

ريعانة القلب المهفهف من حنانك زوديني

عيناك تُوقظ في فؤادي قصة الماضي الحزين

عيناك رائعتان مثل فراشةٍ حطتْ على أوراق زنبقة

وفاحت بالحنين

عيناك أغنية الجبال

تصب في وادي الغرام شجون كل العاشقين

عيناك لا أدري لماذا

تزعجان هدوء قلبي

تفتحان بلا مقاومةٍ حصوني

قد كنت أزمعت الرحيل الى المقابر صامتا من غير شوشرةٍ

ففيما ترجعيني

وجعلت أكفاني الكآبة والأنين وبعض آلام السنين

وتركت أصناف المذلة والخنوعِ

وبسمة الذُّل المهين

وتركت أصحاب الرسالة

عازِفينَ إلى الكراسي الزائفات

إلى الغرور إلى الغباء إلى التفنن في الظُّنون

إلى التنافس في السَّراب

وترك كنزهم الثمين

قد كنت أزمعت الرحيل فكيف جئت لترجعيني؟

* * *

أو كيف أحيا وأنا

صيد تطاردني بلادي

وقضيتي ولدت معي طفلاً

بجين سائد يُنبي بأني قابل للاضطهادِ

كم حاولوا تغييره عبثا، فسري كان مختفيا بأعماق الفؤادِ

من وقتها أدركت أني شاعرُ

فلبست أثواب الحدادِ

ومضيت في الدنيا وحيداً صامتاً

متقلباً بين المشاعر

هائماً في كل وادي

فأحب سمت العابدين وتارةً أهل النّوادي

وأضم رشاشي كما أحنو إلى ضمِّ سعادِ

سيان عندي إن رقدت على سرائر أو وهادِ

في كل إنسان معانٍ

ليس تبلى بالنفادِ

كم يصرخون بجوفهم من خلف أسوارِ العنادِ

كم يلعنون ظلامهم

وركونهم نحو الرُّقادِ

كم يلعنون ويلعنون ويهربون إلى الفسادِ

أعطوا الأمانة في السماء

فسلموها للأعادي

يدعوهم رب العباد فيهرعون إلى العبادِ

من هؤلاء صبغت شعري

من زمان بالسوادِ

ومضيت نحو مقابر الشعراء محروقاً

بروح كالرَّمادِ

قد كنتُ أزمعت الرحيل فمن تكوني كي تنادي

* * *

أو ما رأيت مشاعري سكرى

كأحلام الليالي

شيء أحاول ستره فيها ويفضحني خيالي

قلب المحبّ مزيج حزن وادع عذبٍ

تكلل بالجمالِ

من خمرةِ الدنيا ارتوى

حتى تفايض بالجلال

وبروحه ركب الفضاء

يسوقها نحو الكمالِ

حتى إذا كلّت يداه

وخانه عزم الرِّجال

عرف الحقيقة دون غايته

وعاد إلى الظلال

أو كيف يبلغ ما يريد

وروحه بين الرِّمال

كثبان أخطاء الحياة تحيطها

ويأُجُّ فيه لهيبها

ليقوده نحو الضلال

في كل شبرٍ من بلادي دعوةٌ للإنحلال

أعراضنا ملء الشوارع

كاسيات عاريات هائماتٍ بالبغالٍ

في كل سوق حانةٌ

وبكل بيتٍ مرقصٌ

ولكلِّ نفسٍ لعبةٌ

ولكلِّ إفسادٍ موال

والعيب كلُّ العيبِ أنَّا ندعي وبكلِّ فخرٍ

أننا أهل النِّضال

هي كذبة كُبرى نحاول ستر سوءتنا بها

لنقول سحقاً لليهود وألف لا للاحتلال

والاحتلال له بأنفسنا جذور

منذ ضيَّعنا الأمانة وارتضينا بالضَّلالِ

قد كنت أزمعت الرحيلَ فلا تزيدي في سؤالي

* * *

إني مقيمٌ ههنا أشدو إلى الدنيا بعودي

إن شئت فابقي

أو أخافك صمت أحزاني فعودي

إنّي أرى من وحشتي

حلما يطير بلا حدودِ

إني أرى أطفال غزّة

يخرجون من السنابل كالأسودِ

يقلعون رؤوس من باعوا الدِّيار

ويقذفون الرُّعب في قلب اليهودِ

ما قيمة الإنسان

إن رضي المذلّة واستكان بلا صمودِ

نحن المنايا ما تمرّغ وجهنا

بالتُّرب إلاّ في السجود

أبناء فاطمةٍ نموت ودمعنا ملء الخدودِ

أحزاننا مثل النّدى

والروح منّا كالورود

إني لأبصر راية الاسلام تخفق من جديد

من روح أحمد

من بكاء الصالحين ومن ترانيم الخلود

ولسوف تبلغ صفحة التاريخ يوما

عهد هارونٍ رشيدِ

عهد هارونٍ رشيدِ

 

 

ملك الثوار 
 
ها أنت تُبحر مِن جديد في بحور العاطفة
من مرفأ الأحزان تُبحر في هدوءٍ
غارقاً في ليلك الصوفيِّ
تبكي للحياة الزائفة
لا شيء غير البحر يفهم سِرَّ عشقك
كيف تنتفض الحياة على جروحك
كي تهبُّ العاصفة
أبحر ولا تنظر وراءك
لحظة الإبصار تلمع في فضاءكَ خاطفة
كالبرق تُومضُ
هل رأيت البرق يُومض للقلوب الخائفة
حلِّق بروحك في المحيط ولا تسل أين النَّوارس؟
فالنوارس للشواطيء عازفة
قد قَيَّد الميناء أرجلها
فباتت نازفة
لا تبتئس لست الوحيدَ
هناك نجم سوف يرشدك السبيلَ
إذا صدقت له المحبَّة بالعيون الذارفة
وهناك وجه حبيبة ترنوا إليك من الغيومِ
فتوقظ الأحلام في أعماق قلبك
توقظ الطفل اللعوب ليرتمي في حجرها
ويغيب في أغصانها
مثل الطيور الراجفة
اصعد بروحك كي تفجِّر تحتك الأنهار
تغسل كلَّ أوحالِ الليالي
بالسيول الجارفة
عرِّف بنفسك:
أنت إبن الأنبياء وكلُّ ثورات البلاد على يمينك واقفة
إيهٍ أبا الثوار أتعبنا انتظارك
أين أنت ودورة التاريخ تمَّت
والشُّموس غدت لأجلك كاسفة
أقبل فإنَّا قد سأمنا … قد سأمنا
من رعاةٍ سيَّرتنا كالخراف العالفة
قد سأمنا من دنا التَّزوير هذي
والبطولات السخيفة
والشعوب الزاحفة
أقبل فأنت هو الحقيقة
والحقيقة قاذفة
* * *
أو ما ترى الدُّنيا تإنُّ إليك شوقاً
وهي تنتظر اللقاء
أو ما ترى الأرض اليباس تموت من شحِّ السَّماء
والأرض مثل الشعب تبلى
إن سقاها الغيم طلاًّ
لم يخالطه الفداء
والزَّرع لا ينمو بأرضٍ
لم يكن فيها قليلٌ من بقايا كبرياء
وكذلك الشعب الأبيُّ
خليفة الله العليِّ
وطفل كلِّ الأنبياء
تشتاقه الدنيا
كما تشتاق للحب النِّساء
وتراه فارسها الوحيد
رسولها للعالمينَ
وطفلها عند المساء
وتضم قبلتها إليه لتستفزَّ حياته
ويذوب عشقاً في اللقاء
كأس الحياة براحه يختال فيها ضاحكاً
والأرض خمرتها الدِّماء
عيناه للأحرار .. للثوّار .. للأشعار لكنْ
للطواغيت الحذاء
ويداه للمتشرّدين النائمين على الشوارع
قوتهم برد الشتاء
قطط المزابل والمنازل في بلادِ الأغنياء
يا مالك الثوّار أقبِلْ
كي أريك عدالة الإنسان تعوي مثل كلبٍ
بين أضواء القصور
وحاويات الأشقياء
وأريك عبَّاد المقاهي
ثمَّ أفخاذ الملاهي
وارتعاشات الحياء
وأريك أشباه الرِّجال
الخائرين كما البِغال
العازفين عن النِّضال
النَّاعمين الأبرياء
وأريك ماذا قد أريك
وأنت في عيني ضياءٌ لا يماثله ضياءْ
لكنَّه ألم قديمٌ ورَّثته ليَ الطيورُ
لكي أبادلها الغناءْ
غنيته يوما فحلِّق
ثم أجهش بالبكاءْ
فعلمت إنِّي عندما أبكي أغنِّي للحياة كما أشاءْ
* * *
يا مالك الثوَّار فاصرخ في أحاسيس الرِّجال
أرِهِمْ رجولتهم وأَفرِغ
في قلوبهم الجلال
علِّمهم الإيمان بالأحلام
فالأحلام مفتاح الجمال
كي يبصروا سرَّ الحياةِ
فيصرعوا موج البحارِ
ويعتلوا شمَّ الجبالْ
ويكسِّروا المرآة والمرآة فخٌ
يحجب الرُّوح المضيئة
عن ميادين النِّضالْ
وتحجمُ الأصوات فينا
تقتل الطفل الضحوك على أمانينا الطِّوالْ
علِّمهم الإصغاء للإنسان
فالإنسان أصبح من أحاديث البضائعِ والمتاجرِ والرسومِ
وكلَّ أبناء الرِّيالْ
علِّمهم أنَّا صنعنا ما عبدنا من حماقة ما أردنا
قبل عهد الانفصالِ
وقبل عهد الاحتلالْ
وبأنَّ كل النائبات جريمة كنَّا يديها
حين ضيَّعنا الأمانةَ
وارتضينا بالضلالْ
علِّمهم أنَّ الضياعَ ضريبةٌ للإنحلالْ
وبأنَّ مأساة العروبةِ
في الخلاعةِ والمياعةِ
وانثناءات الغواني
وانحناءات الرِّجالْ
أخبرهم أنَّ الطريق لمن يقاوم لا تزالْ
مفتوحةً ذهبيَّة الأبوابِ
تسبح بين أمواج الحقيقة
وامتدادات الخيالْ
عسليَّة العينين تعرف عاشقيها
ثمَّ تدني منهم من ذاب وجداً
دون كبرٍ أو دلالْ
علِّمهم شيئاً جميلاً واحداً
واغسل خطاياهم بدمعك
ثمَّ عانقهم بصمت
واترك الدُّنيا وغرِّد فوقها لحن الكمالْ
فوقها لحن الكمالْ

 

 

 صراع الأحلام  

أزيحوا الهمَّ عن صدري قليلا
وأطرقتِ النَّواظر منه كَلْمى
وإلا فارقبوا منِّي قوافٍ
أخطُّ حُروفها من دمعِ عيني
ومعناها كآهات الليالي
إلى من ألهمت قلبي هواها
عيوناً قد ملأنَ القلب عشقاً
كأنَّ الله لم يخلق جمالاً
ففيها جنَّة وبها جبالُ
وتحتهُما البساتين اللَّواتي
تظلُّ ببابها الأوصافُ حَيرى
ويعلو الحبُّ فوقي في هدوءٍ
كأنَّ الكونَ لم يخلق لغيري
الا يا ليتَها الأحلامُ تبقى
ونبقى في رُبى الأمال سَكْرى
ولكنَّ الحياة قَضتْ علينا
ونَبْتُر كلَّ عاطفةٍ تبادت
فدنيا المال لا ترضى حياةً
فهاتي يا بثين يديك نمضي
سفينتنا الهوى نأوي إليها
وإلا أرجعي قلبي سليماً
ولا تبكي عليَّ إذا ترامَت
فإنَّ الحرَّ مَقْتلُهُ حبيبٌ
 

فقد باتَ الفؤادُ به ثقيلا
فأورثت الحياة فتىً كليلا
تضجُّ الكونَ أو تشفي الغليلا
عيوناً كم بكتْ زمناً طويلا
تردِّد في الدُّجى صبراً جميلا
وألقت في الجوى سيفاً صقيلا
ولم تلبث فأردتني قتيلا
يفوقُهُما ولم يخلق مثيلا
وفيها البحر تحسِبه سُهولا
أبتْ عنها الورود بأنْ تزولا
ويجثو الشِّعر مُرْتمياً ذهولا
لتسمو الرُّوح من جَسَدي قليلا
لأجل الحبِّ لا أبغي عُدولا
ويبقى ذِكرُها طيفاً بخيلا
وننسى أنَّ فيها مُستحيلا
بأنْ نجني من الدُّنيا العويلا
ونزرعُ بغضها جيلاً فجيلا
لغير المال فيها أن يجولا
ببَحر الحبِّ نلتمس السبيلا
ونتَّخذ الفؤادَ بها دليلا
فقد طفت الغداةَ به عليلا
بي الدنيا فألقتني ذليلا
تخلّى عنهُ مُتَّخذاً بديلا
 

هدوء الخريف

هدوءكِ يغلبُ الصمت الحزينَا
أرى فيه الخريف ليال حبٍّ
سأذكرهُ إذا النّسمات هبَّت
حنينٌ هاجهُ طولُ اشتياقي
إلى عينين لو ألفيتُ نِداً
إلى خدَّين فاقا كلّ شمسٍ
إلى شفتين لو كرَّست شِعري
إلى تلك الذوائِب فوقَ نحرٍ

ويبعث في حشا صدري الشجونا
وأُبصِر فيه ماضينا الدفينا
لِتلقي في رُبى نفسي الحنينا
إلى تلك النواظر لا بلينا
لِوَقعهما لما هِمْتُ السنينا
لحرِّهما فكيف إذا حَيينا
لِوصفِهما لما زادت ظنونا
غدا قلبي لمنظرهِ رَهينا

 

عاشق المستحيل  

فؤادي يا عاشق المستحيلْ
إلامَ تقاوم موج المنايا
فؤادي ما الحبُّ إلاَّ الليالي
وما الشوقُ إلاَّ انتحارٌ بطيءٌ
وحُزْن العيون قصيرٌ كما الدَّمع
حرامٌ عليك شبابي جميلٌ
لِتُغْرِقَهُ فِي الغرامِ العَميق
أبعد غيابي ببحر الغرامِ
وبعد جلوسي ببستان وردٍ
حنانيك ما أنا إلاَّ غلامٌ

ويا مبحراً في العذاب الطويلْ
وأنت الصغير وأنت العليلْ
وآهات حزنٍ وهمٌّ ثقيلْ
وما أنت بالحبِّ إلاَّ قتيلْ
لكنَّ حزنَ القلوبِ طويلْ
ففيما تعادي الشَّبابَ الجَميلْ
وحيداً وليسَ لهُ مِن دليلْ
أرى الحبَّ بين ظلالِ النَّخيلْ
مِنَ الحبِّ قد أكتفى بالنَّجيلْ
تربَّى بقصر هواها الجميلْ

 

طفل بلدي 

لماذا الطّفل في بَلدي
يعزُّ عليه أن يَحيا
يناجي أمّه في الليل
ففي أفكاره لهبٌ
وفي أحلامه هدفٌ
يخاف بأن تهُبَّ الرِّيح
ويخشى أن يفوحَ له
لماذا الطفلُ في بلدي
يرى في وجه والدهِ
ويُبصر جنبه أماً
ويَنظرُ نحو إخوته
ويُدهشهُ جمودُ القومِ
ولكن عندما يكبرْ
يقول أليتَني قَدْ مِتُّ

يَعزُّ عليه أنْ يكبرْ
بلا شايٍ ولا سُكَّرْ
يُجبرها لكي تسهرْ
يخاف عليه أن يسعرْ
يخاف عليه أن يعثرْ
وشمسُ النُّور أن تظهرْ
عبيرٌ أو شذى عنبرْ
يُولد لونُهُ أصفرْ
شحوباً داكناً أغبرْ
عليها الحزن قد أسفرْ
فيلقي الكلَّ قد أدبرْ
يَعجبُ منه أو يسخرْ
ويُبحر في الدُّنا أكثرْ
يومَ ولادتي مُجبَرْ

 

حقيقة شاعر 

غريبٌ أنت يا قدري
فقد أيقنت أنَّ الله
ولكنِّي أمرؤٌ يُخفي
مشاعر لست أدرِكها
ولكنِّي بِها أهذِي
بها الأحلام والآلام
شذى الأزهارِ يملؤها
أرى فيها ليالِ الأمسِ
وأبصرُ قسوةَ الأيامِ
فإيهٍ أيُّها الشاعرْ
كأنك تقرأُ الدُّنيا
نفوسُ النَّاس تقرأُها
يراك النَّاس عِملاقاً

ولستُ بذاك في نُكرِ
قاضٍ فيك ما أمري
مشاعرَ ملؤها صَدري
كناي دقَّ في السَّحرِ
وأرسِلها مع الفجرِ
والأشواق في عمري
عبيراً كالهوى العذري
تاقتْ للغدِ النَّضِرِ
ليلاً غائبِ القمرِ
ملأت الكونَ بِالعِبَرِ
كتاباً وافِرَ الصُّورِ
ونفسكَ أنت لا تدري
وطفلٌ أنتَ في نَظري

 

حياة كالسَّراب 

أأخي قد طال الشقاء
والدمع أغرق مقلتي
أبكي وأكتبُ غربتي
أأخيَّ تدري ما أحسُّ
إني لأشعر أنَّ عمري
أولستمُ ماء الحياةِ
من دونكم ألفيتُ نفسي
ورأيت عيشي كلَّه
أأخيَّ أقضي غربتي
هذي السنون تمرُّ سوداً
حتّى الأماني حلوها
والناسُ من حولي
لا رحمة بعيونِهم
أنا بينهم طيرٌ جريحٌ
نهشوهُ ما وجدوا بهِ
لكنَّني أحيا بِذكرا
ذكرى ليالينا مضتْ
أيَّام كنَّا صبيةً
وكأنّنا صبحٌ تنفَّس
أو أننا وردٌ تفتَّح
لا نتعِب التفكيرَ فيما
يكفي بأنَّ طريقَنا
وكأنّنا من سُعْدِنا
لكنَّها الأيامُ تأبى
سُرعانَ ما جارتْ علينا
من دونِ جرمٍ حاكمتنا
يا ليتها بالموت جازَتْ
أنا منك يا دنيا بريءٌ
وإليكَ يا ربي رجائي
أن تُرجع الأيام بيضاً
وتلمَّ شملَ الغائبينَ

  وتفرّعت سبل العناءْ
وكأنَّه مطر الشتاءْ
شعراً وأرسلهُ السماءْ
به وما هذا البكاءْ
بعد فرقتكم هباءْ
وأنتمُ هذا الهواءْ
تائهاً وسط الخلاءْ
كدرٌ وسعيّ للفناءْ
أهذي بأحلام اللقاءْ
ما بها إلا الشقاءْ
مرٌّ لها طعم الدواءْ
وجوهَهُمُ يلوح بها الجفاءْ
آوي إليها أو عزاءْ
قد أحاطتهُ الجِراءْ
لحماً ولا حتَّى دماءْ
كُمْ وألتمسُ الشِّفاءْ
ومضت بأيَّام الهناءْ
نلهو كقُطعان الظِّباءْ
بعدما ذهبَ المساءْ
حاملاً قطراتِ ماءْ
قد يجيءُ من الخفاءْ
سهلٌ وعالمنا الفضاءْ
نحيا الحياةَ كما نشاءْ
أن تدومَ على سواءْ
واستهلَّت بالعِداءْ
بالتشرد والشقاءْ
لم تُجازي ذا الجزاءْ
أنت يا دنيا ابتلاءْ
من سواكَ له الرجاءْ
مشرقاتٍ بالبهاءْ
فقد تطاوَلَ ذا المساءْ

 

الحرة المخذولة 

جلست يراودها الحنين
نظرت وفي أحداقها
ومضت تداعب طفلها
وكأنّها تروي إليه
تدني يديها للسؤال
وتصيح فيهم يا لقومي
بكم اشتراكم غاصبيَّ
أوّاه يا بنت العروبة
أوّاه كم ذقت الهوان
لو نستطيع لك الوصول
ورأيت منّا ما يسرّك
ما حيلة الأسد الغضاب
والذنب أنّا مسلمون
يا قدس يا مسرى الرسول
يا دوحة الإيمان أنت
قلبي بحبِّك مُفعمٌ
مهما تطاول ليلهم
هذي اليهود ستنجلي
في فتية عشقوا الجهاد
ما ذلّ من طلب الجنان

 

 

وتذكرت ألم السنين
صمتٌ تملكه أنين
وتضمه كنزاً ثمين
حكاية الزّمن اللعين
وتشتكي ذلاًّ مهين
يا لكم من غافلين
فبعتم شرفي الرّصين
بنت كل الفاتحين
ونحن عنك مكبّلين
لما رأيت مقصرين
أسد غابٍ ثائرين
وفي السجون مقيّدين
وأنت بنت المسلمين
وروضة للعالمين
ومنبع الشِّعر الحزين
وبغير حبِّك لا أدين
لا بُدَّ من فجر يحين
بسيوف جندٍ مؤمنين
ومن بنيك المخلصين
وتاجر الدنيا بدين

 

 

أحزان الربيع  

شبح المدينة صامتٌ

يرخي على الدنيا السّتار

والليل أطبق جفنه

فغفا به تعب النَّهار

وبدأت أعزف لحن أحزاني

وأشتمُّ العذاب يفوح من بين الدِّيارْ

من أين أبدأ لست أدري

ذلك القلق المخيم فوق صدري كالجدار

وتصارع في داخلي يجري

وأحسبه حوار

والعالم المجنون يركض نحو هاوية الحياة

مخلِّفاً كلَّ الدَّمار

من أين أبدأ سوف أركب موجتي قسراً

وليس لي الخيار

عفن المصالح يجمع الأضداد من كلِّ المشارب

حول مائدة القرار

والكلُّ يزعم أنَّه رمز السِّيادة

من براثنه سيأتي الإنتصار

من أين أبدأ كلُّ مرآة مقعرةٌ

ويكسوها الغبار

* * * * * *

كالتائه الملهوف في الصحراء أبحث عن منازل

وأرى القوافل غير أن التِّيه أصبح

من سياسات القوافل

شعلةٌ في القلب تخبو

وأنا عنها أناضل

حجبوا عنها الرياح بألف مخذولٍ وخاذل

أنا عشرون ربيعا ملؤها روحٌ وحبٌ

خدروها في المفاصل

ضيعوا عقلي بغاباتٍ من الأوهام قالوا

إنّها بعض المسائل

لم أكن يوما لأعرف أنّ بعض الفكر قاتل

يفسد المنتوج فينا بين جدران المعامل

وطني أنفاق حزنٍ

من مخارجها المداخل

وطني دمع اليتامى

وطني ضعف الأرامل

وطني وطن يغني ذئبه لحن البلابل

كل شيءٍ فيه سهلٌ سائغٌ

ما دمت تعمل دون طائل

كن كصوفيٍّ فقيرٍ

إن أردت الدِّين نهجاً

أو كعربيدٍ دنيءٍ

إن أردت العيش نهجاً

هذه خير المنازل

لا تكن يوماً مقاتل

لا تفكر كلُّ تفكير بغير شريعة التُّجار باطل

أنت مشروعٌ صغير

في مزادات المحافل

أي عيبٍ فيك يعني

أن سوق المال نازل

ذاك يعني ألف عيبٍ مثل عيبك

أنَّ سوق المال زائل

ليت شعري، ليتنا يوماً نحاول

* * * * * *

أين نمضي في الحياة ودوننا هذي السُّدود

أو إذا شئت الحدود

مثلما جئت فغادر مثلما كنت تعود

أيُّ شيءٍ زائد تأتي به حتّى ولو من دون قصدٍ

سوف يعرفه الجنود

أيُّ طيفٍ حالمٍ في عَينك السَّوداء فارحل

وأنسها أرض الجدودْ

أنت لست اليوم إلاّ

خائناً نكث العهود

وكما شئت فغنّي

دون خوف أو قيودْ

سوق تنفذ دمعة الأشواق فيك

ولن تعود

وترى أن الحياة بغير أوطانٍ ضياعٌ

في متاهات الجمود

كمُّ أفكارٍ سيغزو

فكرة الفجر القديم

وليل أحزانٍ يسودْ

سيواسيك رفاق الدّرب أحياناً ولكن